آخر الأخبار
- إدارة منطقة القامشلي تحدد تسعيرة الأمبيرات وفق ساعات التشغيل
- كلية الآداب بالحسكة تعلن موعد اختبار المقرر اللغوي للقيد في درجة الماجستير
- أهالي قرى في ريف الدرباسية يحتجون على حراقات بدائية لتصفية المازوت ويطالبون بإزالتها
- توقف دعم المازوت يرفع أجور النقل بين مدن وبلدات الجزيرة
- وزارة الزراعة السورية تعلن السماح باستيراد الفروج الحي لضبط الأسعار وتلبية حاجة السوق
روابط ذات صلة
- مشاريع الشباب في بيع الكتب عبر الانترنت - 15/10/2024
- ما مدى إقبال الفئة الشابة على تعلم اللغات؟ - 08/10/2024
- نصائح من طلاب جامعيين قدامى - 01/10/2024
- تحضيرات الطلبة الجامعيين - 24/09/2024
- أهمية الدورات التدريبية للفئة الشابة - 10/09/2024
- استمرار شكاوى أهالي عامودا من القواطع الإلكترونية
- اللغة الكردية.. إلى أي مدى تحسن واقعها؟
- إقبال الشباب على افتتاح المشاريع الخاصة
- ازدياد حوادث كسر نوافذ السيارات في القامشلي
- الشباب والعمل في المنطقة
متى ينتهي إيزيديو عفرين من ترميم قبور موتاهم؟
فوق الجبال التي يدفنون فيها موتاهم، وبين مزارات مهدمة وقبور أُعيد ترميم بعضها بأيدٍ فردية، يحاول إيزيديو عفرين الحفاظ على ما تبقى: ذاكرة جماعية، وهوية يخشون اندثارها، وحق بسيط في أن يُعترف بهم.
على قمة عالية في قرية قيبار في ريف عفرين، حيث يدفن الإيزيديون موتاهم أقرب إلى السماء، تقف شواهد قبور محطمة تحمل ندوب سنين طويلة من الخوف والتهميش. نُحتت عليها رموز بهية تقدسها جماعة قديمة قدم الأرض، لا تزال تحارب التغييب والتهميش ومحاولات الأنظمة إنكار وجودها.
في مطلع الربيع، زرت منطقة عفرين الواقعة شمالي غرب محافظة حلب، في رحلة عمل مع مجموعة من الصحفيين الأجانب المهتمين بالبحث عن الأقليات الدينية في المنطقة، كان مشهد الربيع بهياً بعد عام من الأمطار الوافرة، ولأن عفرين واحدة من أخصب المناطق السورية وأكثرها إنتاجاً للزيتون، لاحت لنا من بعيد أشجارها ملوّحة بأغصانها، قبل أن يستقبلنا زهر النرجس بعطره المبثوث في الهواء. وعند الوصول التقينا الشيخ مصطفى من قرية «برج عبدالو»، الذي أخذنا لزيارة قريته وبيته، ومن ثم إلى قرية «قيبار» المجاورة. هناك تعرفت على حسن، فلاح إيزيدي شاب.
وجدنا حسن مصادفة يقف أمام قبرَي والديه اللذين تعرضا للتخريب الليلة الفائتة. سأله زميلي عن حيثيات الحادثة، عن الفاعل، وعن السبب، فأجاب: «لا أريد توجيه أصابع الاتهام». ثم راح يحدثنا عن كون هذه الحادثة غير فردية، بل تأتي في سياق أكبر من الاعتداءات. ومع ذلك، فإن مطلبه لم يزد على إبداء رغبته في ترميم القبرين، وتكريم ذكرى والديه، وأن يحيا بسلام، دون أن يخاف على شواهد قبور أهله من التخريب، ودون أن يضطر هو وعائلته إلى إخفاء أو تغيير هويتهم أو معتقدهم. مثلما حدث مع أخيه الذي «اضطر إلى اعتناق الإسلام حتى يستعيد بيته وأرضه بعد أن سرقتها الفصائل»، قبل أن يستدرك ويواجهنا بالحيرة نفسها: «ما بفهم مين أو ليش عبيستهدفوا القبور!».
وقفنا جميعنا على التلة حيث تقع المقبرة، نتأمل الأراضي الخضراء التي تنتظر الصيف لحصادها. وفي الطريق تساءلنا: لماذا يدفن الإيزيديون ذويهم على سفوح عالية؟ ربما للوصول إلى الفردوس؟ ربما هرباً من أيادي المخربين؟ لا أدري، كل ما جال في خاطري في تلك اللحظات هو وجوه هؤلاء الأحياء مقابلي، الذين يحاولون حماية كرامة موتاهم. ثم كيف تحمي الميت أصلاً؟ ولماذا قد يضطرك العالم لأن تظل معلقاً ما بين عالمي الموت والحياة، لكي تعيد ترميم شاهد قبر رخامي صلب، ظننت أنك بوضعه لأول مرة فوق التراب، ستجده هناك ثابتاً على الدوام، علامة على أن فقيدك موجود، مثبت في الأرض التي أحبها، مكرّماً ومتذكَّراً؟ ولكن أن يُلاحق الموتى في قبورهم ينسف كل ما سبق، عندما يمسي الإنسان الملاحق في حياته، ملاحقاً في مماته أيضاً.
ليست قصة حسن استثناءً. بالنسبة إلى كثير من إيزيديي عفرين، لم تنته المعاناة بسقوط النظام أو رحيل الفصائل الإسلامية، التي استهدفت الإيزيديين وميزتهم عن بقية مكونات المنطقة بسبب المعتقد الديني المختلف، من خلال الإهانات الممنهجة للأفراد، والتحقير، والعنف، وسرقة الممتلكات وتدميرها، والتهديدات والإكراه على اعتناق الإسلام ونطق الشهادتين. كما ظل شبح الإبادة الإيزيدية يلاحقهم، بعد مجزرة وحصار سنجار، وسبي أخواتهم الإيزيديات على يد تنظيم داعش. ففي عام 2014، تعرضت المجتمعات الإيزيدية في سنجار شمال العراق لهجوم واسع شنّه تنظيم الدولة الإسلامية، شمل القتل والخطف والسبي، ودفع آلاف العائلات إلى النزوح، في واحدة من أعنف الحملات ضدهم عبر التاريخ، التي لا تزال تبعاتها متواصلة حتى يومنا هذا.
وعلى الرغم من أن إيزيديي عفرين يعتبرون أنفسهم محظوظين بالمقارنة مع أقربائهم في شمال شرق سوريا وشمال غرب العراق، إلا أن المجتمع الإيزيدي في عموم المنطقة لا يزال يواجه تحديات تتعلق بحرية المعتقد، والاعتراف الرسمي، وحماية الإرث الديني والثقافي. مخاوف تتجسد اليوم في مجموعات من غير الإيزيديين تهاجم القبور وتدنسها، كأفعال كراهية متفرقة. حتى أمسى اكتشاف شاهد جديد مكسور، في كل زيارة للمقابر، خصوصاً تلك التي تحمل رمز الشمس أو «طاووس ملك»، أمراً متوقعاً.
وخلال سنوات الثورة السورية، وما تلاها من نزاع مسلح دام لأكثر من عشر سنوات، لم تختلف حال الإيزيديين عن حال أي مجموعة في سوريا. إذ نالوا نصيبهم من القتل والدمار والتشريد والخطف والاعتقال من قبل النظام السوري، وداعش، والجماعات المسلحة التي سيطرت لاحقاً على عدة مناطق. ومع تغير سلطات الأمر الواقع على مر السنين، لم تتغير سياسة الإقصاء وعدم الاعتراف، طالما أن تمايز هذه المجموعة الدينية لا يزال يوفر ذريعة للاستهداف في كثير من الأحيان.
في القرية، تُقدم بعض التفسيرات الأخرى لعمليات التدنيس. إذ تعرضت بعض القبور للنبش بهدف السرقة أيضاً، اعتقاداً من النابشين بأن الإيزيديين يدفنون ذهباً مع موتاهم. وفي قرية قسطل جندو، أشار أحد الشيوخ الذين قابلناهم، نحو قبر مهشم بالقول: «هذا قبر سيدة مسكينة، ظنوا أن حلي الذهب الخاصة بها ستدفن معها، نبشوا القبر لهذا الاعتقاد، قبور كثيرة لنساء تعرضت للنبش، للإهانة، أو طمعاً بالذهب».
جنوب غرب سجن إعزاز المركزي، امتد التخريب لما هو أبعد من القبور، ليبلغ مقام الشيخ حميد في قرية قسطل جندو، الواقف اليوم كأثر ديني يشهد على سنوات القصف والتخريب والحرب. بالنسبة إلى الإيزيديين، يحمل المكان قيمة روحية خاصة، ويؤمن بعضهم ببركته وقدرته على شفاء الأمراض، لكنهم اليوم يزورون أنقاضه دون أن يجرؤوا على إعادة بنائه، خشية استهدافه مجدداً. سألت الشيخ مصطفى عن تاريخ هذا المزار، لكنه لا يعرف أي معلومة، على وجه الدقة، سوى أنه موجود منذ أيام جده، الذي كان يتردد على المقام بشكل دوري ويأخذ الأبناء معه. اليوم تبدو أطلال المقام وكأنه وُجد هناك منذ مئات السنين، ثابت مثل الأزل. هناك عندما تبقى من رسومه، انطلقت في التأمل، وفكرت: ربما هذه هي مهمة المعابد الدينية ومقصدها، حتى لو لم يبق منها سوى جدار.
لم تبدأ معاناة الإيزيديين السوريين مع الحرب الأخيرة. فعلى مدى عقود، واجهوا التهميش والتمييز المرتبطين بانتمائهم القومي الكردي واختلافهم الديني، دون اعتراف رسمي بديانتهم كإحدى الديانات المعترف بها في البلاد. انعكس ذلك على تفاصيل حياتهم اليومية. إذ لا يزال كثير منهم يخشون الإفصاح علناً عن هويتهم الدينية أو ممارسة شعائرهم بشكل ظاهر، خوفاً من الوصم الاجتماعي أو التمييز أو الاستهداف، فيما يختار بعضهم مزيداً من التورية، عبر تسجيل أنفسهم وأبنائهم في الوثائق الرسمية تحت انتماءات دينية لا تعكس معتقدهم الحقيقي.
وعلى عكس الشائع، ليست الديانة الإيزيدية طارئة على المنطقة. بل هي ديانة توحيدية قديمة ترتبط جذورها بالمجتمعات والإثنية الكردية في المنطقة. يرى الكاتب والمؤرخ العراقي جورج حبيب أن العبادة الإيزيدية نشأت من مزيج من العبادات الشمسية الميثرائية، التي تطورت في بلاد الرافدين، مازجةً عبادات شمسية للإله الفارسي ميثرا بعبادة إله بلاد الرافدين القديم نابو، الذي يرمز له بـ«إي نابو»، ومرادفه الآرامي «طاووس ملكا». هذا المزيج البابلي الإيراني مهّد لقيام ما يعرف اليوم بالإيزيدية.
ومع ذلك، كثيراً ما يشاع في بقية الأوساط السورية عن الإيزيديين أنهم يعبدون الشيطان أو النار، ويمارسون طقوساً غريبة. وقبل تعرفي إلى أفراد من هذه الديانة، اعتدت سماع هذه الشائعات منذ أن تعرفت إليها أول مرة خلال الجامعة. يومها نمت لدي تساؤلات كثيرة حولها. غير أنني لم أصادف أو أسمع يوماً، عن شخص إيزيدي يجاهر بديانته في أي مدينة سورية كي يجيب عنها. ثم ذهبت إلى عفرين، وحتى هناك كان الحديث خاصاً وخافتاً.
ليس سهلاً على أقلية دينية تعيش مع ذكريات مجازر عبر التاريخ، أن تحارب من أجل البقاء والعيش الكريم دون توقف. حين دخلنا الى منزل الشيخ مصطفى، لفتت نظري اللوحات التي تصور طاووس ملك، سألت ابنته عنها، لكنها أجابت باقتضاب. لمست في ترددها واقتضاب جوابها خوفاً على هويتها من أحكامي، سألتها عن صور الرجال المعلقة فوق الباب، لتخبرني أنهم أجدادها ومشايخ الديانة المعتبرون. وحين رأيت الطاووس النحاسي الجميل المعلق على الجدار، تذكّرت أن والدي، المغرم باقتناء الأنتيكا النحاسية، كان يمتلك واحداً مثله في مجموعته. شعرت بالألفة فوراً، وأحسست أن هذه الجماعة ليست غريبة عني، بل تشاركني تفاصيل كثيرة. ومع جسر الألفة الذي بدأ في التشكل، روت لي الفتاة قصة المعبد في الصورة، وهو معبدهم الوحيد القائم في لالش في العراق، المعبد الذي يحلمون بزيارته، أو بناء مثيل له في سوريا.
وبالرغم من أن الديانة الإيزيدية تقوم على منظومة اجتماعية ودينية مغلقة نسبياً، وأن أبناء المجتمع الإيزيدي يحافظون تقليدياً على الزواج من داخل الجماعة الدينية، إلا أنهم يختلطون بجيرانهم من كل الأديان، إذ يشاركون إخوتهم الكرد المسلمين احتفالات وتهنئات النوروز. ومع ذلك، يُرى محلياً أن انغلاقهم في مسألة الزواج يأتي من رد فعل هدفه بقاء الجماعة، وحماية الإرث الديني الذي أُسيء فهمه كثيراً منذ عقود طويلة.
بعد وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، تأثر كثير من الإيزيديين، كما غيرهم من كرد سوريا، بسياسات التمييز والحرمان من الحقوق المدنية، بينما بقي الاعتراف الرسمي بخصوصيتهم الدينية محدوداً، إذ سُجلوا كمسلمين في الأوراق الثبوتية. «أنا وعائلتي مسجلون مسلمين عالهوية»، يخبرني الشيخ، «كأنهم يريدون القول لك: أنت لست موجوداً كإيزيدي..».
وفي عفرين، وبعد عقود طويلة من حكم آل الأسد، يقول السكان إن الانتهاكات تصاعدت بعد عام 2018، عقب بعد سيطرة القوات التركية وفصائل محلية تابعة لها. إذ شملت الاستيلاء على ممتلكات باستخدام الضغط الديني، وتخريب مقابر ومزارات، والخطف، والقتل، وإجبار كثيرين على اعتناق الدين الإسلامي ونطق الشهادتين، وتضمن ذلك أيضاً إهانتهم، بسؤالهم عن آيات من القرآن بغرض السخرية من جهلهم بها. اليوم، وتحت ظل حكومة جديدة، وعلى الرغم من إصدار قرارات جديدة تتعلق بحقوق الكرد في سوريا من خلال المرسوم التشريعي رقم 13 مطلع هذا العام، لا يزال كثير من إيزيديي عفرين يشعرون بأن الاعتراف الكامل بهم لم يتحقق بعد. إذ لا يزالون مبعدين عن العملية السياسية، ويقتصر نشاطهم السياسي، في كثير من الأحيان، على إيزيديي المهجر، الذين ظلوا على تواصل مع أبناء دينهم في الداخل.
بالرغم من سقوط نظام الأسد، لا يشعر كثير من إيزيديي عفرين بأن مخاوفهم انتهت. فالمزارات المهدمة لم تُرمم، والقبور التي كُسرت لا تزال شاهدة على سنوات من الاستهداف، فيما يستمر الخوف من إعلان الهوية الدينية أو تحصيل الحقوق المدنية. خوف أمسى حالة وجودية ثابتة، يلخصها قول أحد الشيوخ الذي قابلناه في قسطل جندو: «نحنا مهما مر حكام، منضل مهمشين، ما بعرف إذا رح يتغير الوضع..».
أما الشيخ مصطفى، فلم يفقد الأمل وهو يتلو آماله: «مطلبنا هو الأمان، مثل أي سوري»، يقول الشيخ، «والقدرة على العيش دون خوف أو إخفاء هويتنا». وبذلك يظل الاعتراف الرسمي بالإيزيدية، كديانة وكمكوّن أصيل من المجتمع السوري، وضمان حقوقهم الدستورية والدينية والثقافية —بما يشمل حرية الاعتقاد، وممارسة الشعائر الدينية، وحماية أماكنهم المقدسة، وتعليم ديانتهم في المدارس— الهمّ الأساسي الذي يشغلهم، والذي من خلاله تتحقق مطالبهم كلها.
فوق الجبال التي يدفنون فيها موتاهم، وبين مزارات مهدمة وقبور أُعيد ترميم بعضها بأيدٍ فردية، يحاول إيزيديو عفرين الحفاظ على ما تبقى: ذاكرة جماعية، وهوية يخشون اندثارها، وحق بسيط في أن يُعترف بهم كما هم: جماعة أصيلة من هذه الأرض، تملك تاريخاً ثرياً مهدداً بالنسيان.
----------------
نُشرت هذه المادة بالاشتراك مع موقع خط ٣٠